عندما يضحك سمكُ القرش
سعيد الجريري2010/2/8
هذا العنوان ليس من ( عندياتي ). إنه عنوان مقالة للمبدع العراقي عبدالستار ناصر، ضمن كتابه ( مقهى الشابندر )، الصادر عن مكتبة مدبولي بالقاهرة -2005، وهو إضمامة لكتابات في الرواية والقصة القصيرة والشعر والسياسة.
وكما في كتاباته السردية والنقدية الأخرى يتراءى الكاتب مدهشاً، كالمدهشين الآخرين من كتاب العراق الذين تنماز كتاباتهم - في ما تنماز به - بأنها خالية من الكولسترول والتورمات الأسلوبية، حيث الجملة مهفهفة كنصل من حرير، مشرقة كعتبة مقدسة، سامقة كنخلة عراقية في سماء في الجنوب.
ولست هنا بصدد عرض الكتاب - وهو من الكتب الممتعة الكاشفة عن فصول من تكوين الكاتب وسيرته وخطواته في فضاء المشهد الثقافي- لكنني سأكتفي بتداعيات خاصة مستوحاة من لحظة الخروج من مقهى الشابندر الذي لا أظنني سأغادره من دون أن أعيد ارتشاف شايه العراقي حيناً بعد حين، مثلما كنت أرتشفه في بغداد في نهايات القرن الماضي.
في سياقٍ ما، يسترجع الكاتب أمنيات الطفولة متخذاً منها خلفية لمصائر الأطفال، ليس على طريقة برامج الأطفال التلفزيونية التي يتمنى فيها معظمهم أن يكونوا دكاترة ( أطباء )، وإنما بتدوين الأمنيات كما هي بتلقائية بريئة، ولعل ذلك التدوين يكتسب أهميته لدى دراسة الشخصيات في تحولاتها الخيّرة والشريرة، في نجاحها أو إخفاقها، في تطرفها أو اعتدالها، في انفتاحها أو انغلاقها، في أريحيتها أو حماقاتها...إلخ.
يأخذ عبد الستار عن كاتب مذكرات ( دولة الإذاعة ) أن له ثلاثة أصدقاء في طفولته، كتب كل منهم أمنيته في المستقبل، الأول صار مضمداً وكان يتمنى أن يصبح طبيباً مشهوراً، وتمنى الثاني أن يكون عسكرياً لامعاً وتحقق له ذلك، وتمنى الثالث أن يحصل على سيارة (جيب) ، وبندقية صيد، وناظور (دربِين)، وحين سئل عن سبب رغبته تلك، قال: وجاهة!!.
لكن التحول الذي صار إليه ذلك الحالم بالجيب وبندقية الصيد والناظور لم يكن يدور بخلده يوماً، وهنا تكمن ورطة الوجاهة التي تعمي وتصم، فيغدو حلم ذلك الطفل في فضاء تآويل الأحلام وتفاسيرها القديمة والحديثة، بدءاً من تأويل يوسف عليه السلام السبع السنابل، وليس انتهاءً بسيجموند فرويد ونظرياته في التحليل النفسي ورموزه.
والتاريخ حافل بالنماذج البشرية التي تجاوزت بشريتها في ادعاء العرفان، حتى ظنت أنها -استغفر الله - قد أحاطت بكل شيء علماً، وأوتيت مجامع الرؤية والرؤيا.
لن استرسل في حكاية طفل الوجاهة التي جنت عليه وجنى بها على أحلام أترابه العصامية-وهي ليست حكاية عابرة على أية حال - لكنني سأفتح نافذة للتخيل، كمن يحاول أن يغمض عينيه ويفتح مخياله على فضاء لا يُحد ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.
ترى كيف لمنتسبي مؤسسة معينة أن يطبقوا برنامجاً يمكن الاتفاق على تسميته ببرنامج التحولات والمصائر، في لحظةٍ ما، تنظّم دورياً، أو كل خمس أو عشر سنوات مثلاً ، يسترجعون فيها أمنيات الطفولة وخطها البياني، ابتداءً بالحارس والفرّاش وليس انتهاء بالمدير العام، على أن يكون لكل منهم سجل طفولة بريء يُحفظ في أرشيف مأمون منذ سنوات الروضة أو في أول سنة ابتدائية. فأيّ مدخل موضوعي سيكون حينئذ لتقويم التحولات، وإعادة تقويم الشخصيات وتطويرها بناء على زيغ الحاضر عن أمنيات الماضي أو اقترابه من الصورة البريئة، ودراسة كيفيات تحقيق الأمنية أو الإخفاق في الوصول إليها، أو تجاوزها بالقفز في فراغ اللحظات، كالبهلوانات الخرساء!!.
ترى كم هم أولئك الذين كانت أمنياتهم لا تتجاوز بندقية صيد، ثم اصطادوا مصائر الأمنيات العصامية في غير زمان ومكان؟.. لعل تلك واحدة من تداعيات اللحظة، ومازال لمقهى الشابندر في بغداد والمقهى في الكتاب تداعيات أخرى تزدحم، لكن بعضها جدير بالتأمل العميق، وتلك واحدة من مزايا كتابة عبدالستار ناصر، منذ أن دنوت من خط التماس مع إبداعه الموحي في كل مرةٍ فصولاً أخرى مقترَحة، يسكت عنها التعبير، وتظل تهجس في الأعماق كنهرٍ، وتلك مزية أخرى من علاماتها أنها تلقي بالمتلقي في فضاء آخر عندما يضحك سمك القرش، كي لا تتوالى فصول لا أدرية عبدالستار ناصر وصديقه إذ كانا أشبه بالسمك الذي أكلاه، لا يدريان إن كانا هما من أكل السمك اللذيذ أم أن السمك اللذيذ هو الذي كان يأكل من لحمها!!!
|