عاد الجميع من مدرسي الدول العربية – مصر، الأردن، العراق، فلسطين – بعد انتهاء سنوات الانتداب، وبقي عاهد مواصلاً مشوار عمره ورسالة روحه في مدينته الأثيرة إلى قلبه المكلا التي وجد فيها ملاذاً إنسانياً نبيلاً أعاد إليه معنى الكيان المفقود والكينونة الفلسطينية المسلوبة، عاش مكلاوي الهوى بقلب فلسطيني يذوب في تراب الأرض العربية باحثاً بين ذراته عن كنانه وكيانه، ولم تبخل عليه المكلا بهذا النفس العشقي فاندفع يعطي من روحه لفلذات كبدها من العلم والمعرفة والرزانة السلوكية والأستذة النموذجية ما سيبقى في ذاكرة طلابه وطالباته الذين يتجاوز عددهم الآلاف وقد شيعه إلى مثواه الأخير جلّهم وكانت مدينة حلمه الأبدي المكلا وفية وهي تواريه الثرى بعد رحلة عطاء امتد بها العمر سبعة وثلاثين عاماً.
إن المتأمل – وقد فارقنا – في مسيرته العلمية والعملية يجد نفسه يمسك بخيوط من الألق وفضاء من الإيثار وبحار من التضحية التي قدمها – عهد – عن طيب خاطر، ولم يجافي الجميع الحقيقية وهم يختزلون اسمه من (عاهد إلى عهد) تخفيفاً لسانياً وعمقاً قلبياً وجد فيه الجميع عنواناً للرجل وهو يواصل مشوار حياته بصمت الكبار وإباء الجبال والأرض الفلسطينية العصية على الاستكانة والرضوخ.
لقد عاش عاهد وفياً لعهده المكلاوي الذي ظل يقتطع من روحه لكي يبقي عليه دون أن يبوح بوجيعة أو تبدر منه صرخة مكتومة وهو يجد بعض العنت هنا أو هناك، وقد كان يأمل في الانتماء الكلي لهذه المدينة الحالمة بوصفه من عشاقها المدنفين الكبار وقد بادلته المدينة الود والمحبة فكان ووضعته في مآقيها التي هطلت مدرارة بحرقة وهي تودعه إلى مثواه الأخير بمقبرة يعقوب عصر يوم السبت، فكانت لحظة تشييعه لوحة من وفاء وإجلال وعرفان لذاك الفتي الفلسطيني الذي قدم إليها في مطلع سبعينيات القرن الماضي وما برح يأمل في البقاء والعيش والفناء فيها وقد كان له ما أراد.
وإذا لنا من همسة أخيرة ونحن نحاول مقاربة معنى الانتماء وجوهر الرحيل لهذه القامة (العطائية) الباذخة، فهي في أمنيتنا أن يلملم أصدقاؤه وطلابه أشتات ذكرياتهم ومواقفهم معه لنثرها عبيراً صادقاً في فضاء الكون لكي يظل عهدنا لعاهد كما عاهدنا هو ووفى، وكما ستبقى رحلته المكلاوية رسالة عشق حقيقي وانتماء أصيل تلّقن الجميع كيف يكون العشق وكيف يترجم الانتماء.. فسلام عليك أستاذي العزيز ولك جنات النعيم عند مليك مقتدر إنه سميع مجيب، وكفى!
إضافة تعليق
عدد التعليقات : 9
كافة الحقوق محفوظة © المكلا اليوم 2007-2010 تصميم و تطوير فريق الدعم الفني - المكلا اليوم